في برنامج “تجربة حياة” الذي تبثه الجزيرة قال الاستاذ هيكل، ليلة 27/28 من الشهر الماضي، إن بريطانيا أدخلت “المسألة اليهودية” الى المنطقة، وأمريكا أخرجت مصر من الصراع العربي - الصهيوني . ما يستدعي تساؤلين: الأول، هل كان دخول مصر الصراع خلال العهدين الملكي والناصري في اتساق مع تاريخها العريق ودواعي أمنها الوطني، أو أن ما تحمله شعبها في العهدين من دماء ابنائه وامكاناته المادية انما كان ثمن نزوع فاروق للزعامة عربياً وتوجه عبدالناصر القومي العربي؟ والثاني، هل حقاً أُخرجت مصر من الصراع أو أن الذي خرج بقرار أمريكي نظام هو النظام و”الطبقة الجديدة” التي اتسعت زمن الانفتاح الذي شرع له الابواب؟ وفي الاجابة أسجل الملاحظات الآتية:
1 - عندما تبنت القوى الاستعمارية بقيادة بريطانيا إقامة الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني على التراب العربي في فلسطين لم تستهدف فقط الوجود الطبيعي لشعبها العربي في أرض آبائه واجداده وحقوقه الوطنية المشروعة، وانما ايضا فعالية مصر ودورها التاريخي في المشرق العربي . وهذا ما وثقه هيكل بذكره رسالة زعيم يهود بريطانيا روتشيلد الى وزير خارجيتها بالمرستون في آذار/ مارس 1840 المتضمنة قوله : “إن هزيمة محمد علي وحصر نفوذه في مصر ليست كافية، لأن هناك قوة جذب بين العرب، وهم يدركون أن عودة مجدهم القديم مرهونة بإمكانية اتحادهم واتصالهم . وإننا لو نظرنا إلى خارطة هذا الجزء من الأرض فسوف نجد أن فلسطين هي الجسر الذي يوصل بين مصر وبين العرب في آسيا، وكانت فلسطين دائما بوابة الشرق . والحل الوحيد هو زرع قوة مختلفة على هذا الجسر وفي هذه البوابة، لتكون هذه القوة بمثابة حاجز يمنع الخطر العربي ويحول دونه . والهجرة اليهودية الى فلسطين تستطيع أن تقوم بهذا الدور . وليست تلك خدمة لليهود يعودون فيها إلى ارض الميعاد، مصداقا للعهد القديم، ولكنها ايضا خدمة للامبراطورية البريطانية ومخططاتها، فليس ما يخدم الامبراطورية ان تتكرر تجربة محمد علي بقيام دولة قوية في مصر، أو قيام اتصال بين مصر والعرب الآخرين” .
2 - لما كان الخطر الأعظم على أمن مصر واستقرارها إنما يأتيها من الشمال الشرقي استقر في الفكر الاستراتيجي المصري أن من يضع قدمه في الاسكندرونة ينتهي الى الاسكندرية . وغداة ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 توصل الرئيس عبدالناصر وأركان النظام الجديد الى أن قرار تقسيم فلسطين لم يؤد فقط الى تقسيم ارضها قسمة غير عادلة ولا مبررة أخلاقيا وتاريخيا، وإنما تسبب أيضا في قسمة الوطن العربي وفصل جناحه الآسيوي عن الإفريقي . وعطل تواصلهما التاريخي . وان قيام “إسرائيل” شكل تهديدا خطيرا لامن مصر .
3 - حقق الجيش المصري بعبوره خط بارليف ظهر السادس من أكتوبر/تشرين أول 1973 إنجازاً تاريخياً، وبدا مالكا زمام المبادرة في حرب تحرير الأرض والإرادة العربية . غير أن مؤشرات النصر العسكري أجهضها الأداء السياسي للسادات وأركان نظامه، برسالة حافظ اسماعيل، وزير الدفاع، إلى كسينجر في اليوم التالي للعبور العظيم . ويومها فوجئ وزير الخارجية الأمريكي بما أبداه السادات من انقلاب جذري على النهج الناصري وادارة الظهر للعون السوفييتي . على الرغم من أنه كانت متوفرة لمصر كل مقومات الصمود، بل وتحقيق النصر .
4 - لمصر دور في الاقليم العربي، إن لم تمارسه بفعالية استغله غيرها . ومضمونه قيادة شعوب المشرق في التصدي للغزاة، وضبط نزاعات نخبه القائدة . وفعالية مصر الاقليمية رهن بنمو قدراتها الذاتية وتوفر القيادة المؤهلة لتفعيل محيطها القومي . وقد تمثل ذلك في المرحلة الناصرية بدورها في إسقاط حلف بغداد سنة ،1955 وإفشال مشروع ايزنهاور سنة ،1957 وتقديم الحل العربي لمحاولة عبدالكريم قاسم ضم الكويت سنة ،1962 ووقف حمام الدم في الأردن في أيلول/سبتمبر 1970 . غير أن الدور التاريخي لمصر انقلب إلى ضده بعد خروج النظام من الصراع .