تطوران هامان حدثا في الأسابيع الماضية لم تتمكن
الدبلوماسية والإعلام العربي من أن يوظفاهما في تطويق وردع استمرار استباحة
إسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني. التطور الأول: تقرير القاضي الجنوب أفريقي
غولدستون، والثاني، الاستياء ـ وحتى الغضب العارم ـ في الدول التي زوّرت
إسرائيل جــوازات سفرها لتنفيذ عملية اغتيال المبحوح. حتى أن وزير خارجية
أستراليا قال إن «هذا العمل من شأنه، بعد التحقيق، أن نعتبر إسرائيل دولة
غير صديقة»، ما يعني في اللغة الدبلوماسية أنها «دولة خارجة عن استقامة
السلوك في العلاقات الدولية».
في هذه الأجواء التي تبدو فيها إسرائيل محاصرة حتى من قبل أصدقائها،
أخلاقيا ومعنويا وإلى حد كبير سياسيا، لم تتوافر آلية تنسيق عربية، إعلاميا
ودبلوماسيا، لتلقي الأضواء الكاشفة لحقيقة السلوك الإسرائيلي، ليس فقط
الخارق للقوانين الدولية ولحقوق الشعب الفلسطيني، بل تكشف أيضا أن هذا
السلوك منبثق عن جذور عقائدية للصهيونية التي تعتبر أن العالم مسؤول
تجاهها، ولكن هي بدورها ليست مسؤولة تجاه المجتمع الدولي، لمختلف قوانينه
وشرعيته وتعريفه لحقوق الإنسان، مما يفترض أنها فوق المساءلة وأن المجتمع
الدولي، وعندما ينتقدها أو يطعن بقراراتها أو يسائلها، ناهيك عن معاقبتها
عندما يكون خرقها للشرعية الدولية بشكل شرس واستفزازي، وكثيراً ما يكون
مهيناً، تقوم إسرائيل بترجمة أي تحدّ لها وكأنه تهديد «لحقها في الوجود».
لعل أحد تجليات التردد ظهر في بيان الاتحاد الأوروبي الذي طعنت إسرائيل
رموز السيادة لعدد من دولها ـ بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وايرلندا ـ
بتزويرها جوازات السفر لهذه الدول. إلا أن الإدانة في البيان لم ترافقها
تسمية إسرائيل، مما ينطوي على هذا التردد رواسب قلق من أن تعتبر التسمية
تعبيراً عن لا سامية قائمة أو كامنة، بمعنى آخر إن الإرهاب الفكري
والإعلامي والسياسي الذي قامت به إسرائيل، بجعل أي نقد لها أو أي حرص على
حقوق من سلبتهم إياها، أي الشعب الفلسطيني، ينطوي على جذور لا سامية
و«ثقافة الكراهية لليهود».
يتجلى هذا الإرهاب الإعلامي الذي تمارسه إسرائيل و مارسته قبلا بأن كل
تــباين أو اختلاف أو خلاف أو ردع لممارسات إسرائيـل، هو بمثابة زرع بذور
التهديد، لا لإسرائيل فحسب، بل لإسرائيل اليهودية وإسرائيل دولة يهـود
العالم. إن دولة إسرائيل اليهودية التي تطالب بها إسرائيل، وتطالب السلطة
الفلسطينية الاعتراف بها كدولة يهودية ودولة ليــهود العـالم، كادت أن
تتبناها المبادرة الفرنســية الإسبــانية الأخيرة التي تنطوي على الاعتراف
بدولة فلسطينية إذا أعلنت السلطة الفلسطينية كياناً لدولتها أو دولة لها
بما يضمن الأمن لإسرائيل اليهودية.
وكان الرئيس الأميركي أوباما مثل أسلافه قد صرح بأنه «يطمح إلى إحراز
سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية، مع بذل إدارته الجهد
لاستدامة العلاقات التاريخية بين إسرائيل والولايات المتحدة»، كما سبق وذكر
أوباما في خطابه في القاهرة منذ عام أن العلاقات بإسرائيل «غير قابلة
للنقض».
إن السلام الحقيقي بنظر إسرائيل يتحقق فقط بمفاوضة مباشرة يقبل فيها
الفلسطينيون شرعية إسرائيل على أنها دولة يهودية ويعترفون بالحاجة إلى
المصالحة. وفي هذا الصدد تؤكد إسرائيل دائما بأنها «قدمت تنازلات ذات شأن
وأن أية تأخيرات أخرى من قبل الفلسطينيين لن تكون مقبولة». كما أشار في هذا
الصدد إياب فوكسمان «المدير العام لرابطة ضد إساءة السمعة» في جريدة
«إسرائيل اليوم» بتاريخ 11/2/2010 «أن على الرئيس أوباما تأكيد العمق
الأخلاقي والاستراتيجي للعلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بأن الأمر
حاسم بالنسبة للصراع العالمي مع شرعية إسرائيل، ولا سيما على خلفية تقرير
غولدستون».
يتبين أن موضوع يهودية إسرائيل كتعريف مرافق للاعتراف بها، هو كما سبق
أن أشرنا في عجالة سابقة أن هذا التأكيد على «يهودية إسرائيل» يستهدف إلغاء
حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتمكين قانون العودة من استقطاب المزيد من
اليهود، كما حصل لهجرة اليهود الروسية، وكما هو حاصل بوجود الأميركيين في
المستوطنات في الضفة الغربية. هذا الإلغاء لحق العودة وتمكين قانون العودة
اليـهودي هو التكريس الواضح والصريح للعنصرية التي ينطوي عليها المشروع
الصهيوني. نشير إلى هذه الحقائق، وتردد النظام العربي أو تكاسله في ردع
التمادي الإسرائيلي في ممارسته الإرهاب الفكري والتمدد الاستيطاني، وتثبيت
ثم تقنين التمييز العنصري ضد المواطنين من أصول عربية، كما التأكيد على أن
التمييز شرعية قائمة في هذا الموضوع. فلماذا إذاً لم يكثف النظام العربي
مجهوده الدبلوماسي والإعلامي في تسليط الأضواء بشكل متواصل ومكثف حتى لا
تتهاوى القضية الفلسطينية من كونها قضية مصيرية للأمة العربية إلى مجرد
مشكلة عالقة. وإذا كانت الممارسات التي تقوم بها إسرائيل، والتي كثيرا ما
أدينت في قرارات الأمم المتحدة، والتي تعتبرها إسرائيل «تشويشاً على
العلاقات الدولية»، فإن اللجوء إلى الأمم المتحدة يبقى وارداً وضرورياً.
لكن يجب أن يقترن هذا اللجوء مع التزام لاتخاذ إجراءات دبلوماسية واقتصادية
رادعة، مثل عودة تطبيق قرارات المقاطعة التي تكاد أن تكون مهمشة، وتعليق
العلاقات الدبلوماسية التي من شانها أن تساعد على إقناع العــالم بجدية
إلزامها بهذه الحقوق التي تستبيــحها إسرائيل يوماً بعد يوم ـ كما نشاهد في
ما يحصل يومياً في القدس والآن في الخليل ونابلس ـ ناهيك عما حصل من مجازر
ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
إن البوادر المتكاثرة على ما أشرت إليه من تطويق وحصار أخلاقي ومعنوي،
يجب أن يتحول إلى حصار سياسي جاد متمتع بالمصداقية، بأن نوحد خطابنا
السياسي والإعلامي، وأن يتم هذا من خلال تفعيل إمكانيات فكرية وإعلامية على
المستوى العربي، حيث إن هناك فرصاً متاحة إذا لم نوظفها في هذه المرحلة
العصيبة من تاريخ أمتنا العربية نكون قد أهملنا ما يجب أن يفعل، وهمشنا ما
يجب أن يعزز، واستمررنا في اجترار ما نحن عليه من إهمال لقدرة سخاء
عطاءاتنا الكامنة من إهمال وتكاسل، وأبقينا أحوالنا في واقع التفكيك الراهن
وما ينطوي عليه من احتمالات التفتيت، كما شاهدنا في السنوات الماضية.
عندئذ قد يتم تهميش حضورنا القومي على المستوى الدولي. حتى ما أشار إليه
«أرون دافيد ميلار» الذي عمل فترة طويلة في أوصال «مسيرات السلام»، قد قال
«إن الأمر انتهى بالولايات المتحدة من القيام بدور محامي إسرائيل بدلاً من
الوسيط المؤتمن»، ثم أضاف «أعتقد أن الضغوط لم تغير مسارها، فيما أخذت
تتنامى الحاجة إلى أن ينفذ أوباما وعوده الانتخابية، فالصراع قد أخذ يقضم
الأمن الأميركي وينهش أي احتمال لا يزال باقياً لحل الدولتين، ويجعل مستقبل
إسرائيل غامضا، ويشتت الفلسطينيين ويلتهم كل محاولة لجسر الهوة بين الغرب
والإسلام». ويضيف «إلا أنه لا يمكن أن ينظر إلى الاضطهاد الماضي لليهود على
أنه ترخيص لتعريض شعب آخر، أي الفلسطينيين، للأمر ذاته». هذا قول أرون
دافيد ميلار وهو مثل غولدستون وريتشارد فولك وغيرهما كثيرون من يهود العالم
الذين يشكلون دائرة الوجدان اليهودي.. بمعنى أن مجابهتنا للصهيونية
بتجلياتها التي تعظم التمييز العنصري هي ليست فقط لاسترجاع الحقوق الشرعية
للشعب الفلسطيني وتصحيح التشويهات للحضارة العربية والإسلامية، بل هي تأكيد
لحق كل يهودي، مثل كل إنسان، أن يكون حقه في الانتماء للدول التي هو مواطن
فيها، وأن يتمتع بدون أي تردد بحقه في المساواة والكرامة والانتماء وما
يوفره هذا الوطن من حقوق وواجبات.
إن القمة العربية تنعقد هذه المرة ولعــلها فرصة يمكن أن تستعيد من
خلالها إذا استقامت القرارات وكانت على مستوى المـسؤوليات، القومية أن تكون
جسراً لعودة النظام إلى دفء شعوبها... ولعل هذا هو التحدي الأكبر أمامنا
اليوم.