Home الاعمدة محمد عبد الحكم دياب سطور من سفر حياة الكاتب الراحل محمد ابو الفتوح - محمد عبد الحكم دياب

صـحف عربية

  مــواقع صــديقة

الـمـكتبة القـومية

 مكتـبة الفـيديـو

  الصفحة الأولـى

رابطة العرب الوحدويين الناصريين

 

المجلة الأسبوعية لرابطة العرب الوحدويين الناصريين

صوت العرب - العدد 19


أرشيف مجلة صوت العرب

      

 

سطور من سفر حياة الكاتب الراحل محمد ابو الفتوح - محمد عبد الحكم دياب PDF طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 0
الأسوأالأفضل 
الأعمدة - محمد عبد الحكم دياب
الكاتب Administrator   
السبت, 06 مارس 2010 20:10
AddThis Social Bookmark Button

سطور من سفر حياة الكاتب الراحل محمد ابو الفتوح
محمد عبد الحكم دياب

3/6/2010


 

حملت الصحف خبر رحيل الكاتب والإعلامي والسياسي المخضرم محمد أبو الفتوح سعد، عضو المكتب السياسي لحزب العمل المجمد. وأبو الفتوح من جيل الرواد الذين حملوا شعلة العمل الإذاعي في فترة من أهم فترات التاريخ العربي خصوبة وفعالية، بدأ مع الخطوات الأولى لإذاعة صوت العرب في خمسينات القرن الماضي. كان من كتيبتها الأولى، مع شيخهم أحمد سعيد وسعد غزال وسيد الغضبان ومحمد الخولي ومحمد الشحات. كانت رسالته محفزة على التحرر وداعية للعدل الاجتماعي ومقاومة الظلم، ومنادية بالوحدة العربية، وكان صوت العرب في طليعة من وقف مع المقاومة وتصدي للاحتلال والاستيطان، وإفرازاته السرطانية في الوطن العربي. كان إعلام ذلك الزمان عملا فدائيا بكل معنى الكلمة. وكان عمل أبو الفتوح وحياته ونشاطه مجسدا لهذا المعنى..

 


ولقوة تدينه انضم في شبابه لجماعة الإخوان المسلمين، ولشدة إيمانه بالعروبة عمل تحت أعلام ثورة يوليو/ تموز، وبعد العودة من المنفى التحق بحزب العمل المجمد، حيث وجد فيه ضالته في المزاوجة بين العروبة والإسلام. حمل شخصية شديدة الثراء. كان بالنسبة لي أخا أكبر وصديقا وفيا وزميلا عزيزا. ومع أنه كان بيننا الأكبر سنا لكنه الأكثر تواضعا، وكان الأكثر خبرة لكنه الأغزر عطاء، تعرفت عليه و زاملته بعد الخروج الكبير من مصر في سبعينات القرن الماضي، وكنا ضمن من توجهوا إلى ليبيا، وكانت قد بادرت في فترة العذرية والبراءة الثورية ..بطلب عدد من الإعلاميين والصحافيين والسياسيين من شباب مصر، من بين الذين اعتقلوا أو طردوا من أعمالهم. وكان من بينهم الراحلون جلال معوض وأميمة عبد العزيز وعاطف عبد الحميد، ومن الأحياء محمد الشحات وصبري ياسين.


جعلته الأقدار على تماس وتواصل مع المجاهدين في المغرب العربي، إبان فترة المواجهة مع الاستيطان الفرنسي، وحين تولى شؤون تلك المنطقة في صوت العرب، لم يكن مجرد مذيع أو معلق على الأخبار والأحداث، كان مقتحما جسورا مع المقاومين . يمدهم بالطاقة، ويبث فيهم الثقة في النصر وإنجاز مهمة التحرير والبناء، وتوطدت علاقته بالثورة والثوار في الجزائر، وكان من بين من بشروهم بفجر قادم ترتفع فيه رايات الاستقلال فى ربوع الجزائر. فتعود عربية مسلمة مستقلة . يحكي عنه زميله وصديقه الكاتب والإعلامي المعروف ، خبير الترجمة با لأمم المتحدة محمد الخولي في عموده بصحيفة العربي القاهرية، الشهر الماضي، فيقول : ' ذات يوم .. وفى ذروة الصراع الدموي الخطير بين قوى التحرر وبراثن الاحتلال فوجئنا بغياب محمد أبوالفتوح، ' الأستاذ' أبوالفتوح كما كنا نسميه محبة وإكباراً . سافر إلى الجزائر .. وحيدا اللهم إلا من جهاز تسجيل عتيق .. وقليل من العملات الصعبة .. وكثير من الإيمان بقدرة الله .. وحرية الجزائر .. كانت مهمة من أخطر ما يكون .. عاد منها الرجل وقد سجل للتاريخ لقاءات مشهودة مع قادة المقاومة الذين لقنوا الفرنسيين دروسا فى سفوح الجبال الجزائرية .. وكان منهم المجاهد الكبير ' صالح ' الذى اختار أن يحمل لقبا مازال مضيئا فى ردهات الذاكرة .. واللقب البليغ هو : الكولونيل .. صالح .. ' صوت العرب '.


كانت السلطات المصرية قد أبعدته عن صوت العرب، كما أبعدت غيره من الإذاعيين والإعلاميين الرواد، وألقت به في وزارة التخطيط، بلا عمل. وذهب إلى ليبيا، ولما انتقلت من وزارة الإعلام إلى الإذاعة والتليفزيون تزاملنا، ومن اللحظة الأولى اتخذناه صبري ياسين وأنا.. أخا أكبر ومعلما وموجها، وهو من ساهم في تأسيس إذاعة الوطن العربي الليبية، وبجانب عملنا الإعلامي بدأنا نتلمس أولى تجارب العمل العام، عن طريق التواصل مع العمال المصريين في مواقعهم، وكانوا الكتلة الأكبر من العمالة العربية في ذلك الحين، وساعدناهم في تشكيل رابطة لحمايتهم من ضغط الأجهزة المصرية بعد توتر العلاقات مع ليبيا، وللتخفيف عنهم من وطأتها بسبب عدم تأييدهم للسادات، وكانوا يكنون لأبو الفتوح احتراما كبيرا، ويلجأون إليه في الملمات. ومع ذلك عاش وعشنا معا مفارقات مضحكة مبكية تستوجب التنويه.
ترتب على إغلاق مقر اللجنة العربية لتخليد عبد الناصر في القاهرة الاتفاق على أن تكون طرابلس موقعا بديلا يحتضن تلك اللجنة، وحصلنا على التصريحات والموافقات اللازمة، وانعقد لذلك اجتماع تأسيسي في قاعة أمانة الشؤون العربية التابعة للاتحاد الاشتراكي العربي الليبي آنذاك. ولم تمر سوى أيام قليلة حتى تم اقتيادي إلى جهة من الجهات الأمنية العديدة.. طلبت توقيعي على تعهد بمغادرة ليبيا خلال ثماني وأربعين ساعة، والمفارقة ليست في التوقيع إنما فيما ذكر الضابط المختص من أني أنا أبوالفتوح، وأبو الفتوح هو أنا. قال: ' أنت محمد أبو الفتوح الشهير بمحمد عبد الحكم ' أحسست ساعتها أنه لا يعرفني ولا يعرف أبو الفتوح، وإلا ما كان قد دمج الاسمين معا، مع ما بيننا من فروق واضحة، فالراحل الكبير يميل إلى السمرة، وأنا على العكس، وهو متوسط الطول وأنا أطول قليلا، وهو أشيب الشعر، ولم يكن الشيب قد خط رأسي بعد. رفضت التوقيع، وقلت تستطيع أن ترغمني على المغادرة بالقوة، فأنت الأقوى، وتستطيع تقييد يديّ وقدميّ ّّّّّّّّ وتلقيني في أول طائرة. ليبيا بلدي، لأني أدعي أن بلاد العرب كلها بلادي. وطردي يخالف سياسة ثورتك المعلنة، ولما لم يتمكن ألقى بي في غرفة جانبية مهملة، واستمرت المحاولات من ضباط آخرين، دون جدوى. وبعد عدة ساعات جاءني ضابط آخر، ويبدو أنه الأعلى رتبة في ذلك المكان. عرفني بنفسه: 'أنا الرائد الطاهر خليفة'.. مستطردا 'أتركك تذهب إلى حال سبيلك بشرط عدم الإفصاح لأحد عما حدث معك هنا'، وأجبت: موافق بشرط الاكتفاء بهذا الاستدعاء، وقصر ما حدث علي وحدي، وكان في ذهني حماية من حضروا الاجتماع التأسيسي، وفي مقدمتهم محمد أبو الفتوح. لم يرد، وما توقعته حدث، وتم اقتياد أبو الفتوح وآخرين لنفس الجهة، واجبروا على التوقيع بالمغادرة. وتحللت من التزامي وأبلغت من أعرف من المسؤولين بما جرى، فأوقفوا الترحيل الجماعي للمشاركين في اجتماع لجنة تخليد عبد الناصر !


وأتوقف أمام مفارقة أخرى.. كانت تجمعني بأبو الفتوح غرفة واحدة في مبنى الإذاعة والتليفزيون القديم في شارع الشط بطرابلس، و بعد يوم حافل بالعمل وإعداد وتسجيل برنامج اسبوعي عن الأحداث، تركنا المبنى في ساعة متأخرة من الليل، وحين دخلت عليه الغرفة في اليوم التالي بعد العاشرة صباحا، وجدته عابسا حزينا . قدم لي ورقة مدونا بها قرار من المدير الجديد بخصم ثلاثة أيام من مرتب كل منا. قال: لو كان هذا العقاب لتقصير ونتيجة لتحقيق ما تألمت أو حزنت، أما أن يكون بعد جهد الأمس والسهر المضني. فيبدو أنه مكافأة على ما قمنا به!. أخذت الورقة، وذهبت إلى المدير . ودخلت محييا، مذكرا إياه بأن الثواب والعقاب ضروري لضبط العمل، وعقاب دون تحقيق معناه أنه ليس عقوبة إنما استعراض في غير محله، وكما أصدرت قرارك بالعقاب فأنا أصدر لنفسي قرارا بالاستغناء عن العمل برمته، وخرجت ولم أعد مرة أخرى، وبعد فترة تقدمت باستقالتي وغادرت نهائيا. وشعر أبو الفتوح بالارتياح للموقف، وفور أن علم المسؤولون بما حدث اعتذروا له !


ولم تكن المفارقات قاصرة على تصرفات بعض الليبيين، وامتدت إلى مسؤولين مصريين. استدعى الوزير المفوض المصري في طرابلس وقتها ثلاثتنا : محمد أبو الفتوح وصبري ياسين وكاتب هذه السطور، وبعد الترحيب حذرنا من السلطات الليبية. وأخرج أوراقا من درجه قال أن بها ما أسماه تفاصيل عملية طرد المصريين، وأتبع ذلك بطلب عودتنا لمصر، وبدأ حديثه مع صبري ياسين، وهو فنان عاشق للعمل الإذاعي، قائلا له أنه سيعود إلى عمله السابق في البرنامج العام، وهذا عرض يغريه، وانتقل إلى أبو الفتوح . أما أنت يا أستاذ محمد ستعود لصوت العرب. رد بوقاره المعهود : ماذا أقول للناس، وكنت أدعوهم للثورة والتخلص من الاستعمار ومقاومة الظلم؟. كان رده البسيط والمختصر أبلغ من أي رفض . وكنت آخر من وجه إليه الحديث : أما أنت فأي موقع تطلبه ستشغله فورا ! فأجبت ليس هناك عرض بلا ثمن. هل من الممكن أن أعرف الثمن؟ وصمت وصمتنا وخرجنا. بعدها بدأ مسلسل الملاحقة وتلفيق القضايا والتهم، وتقبلها الراحل الكبير بكبرياء، فقد كان يعلم أنها ضريبة عليه أن يدفعها راضيا، لذا كان أول المنضمين للجبهة الوطنية المصرية حين دعاه الفريق سعد الدين الشاذلي ردا على زيارة السادات للقدس المحتلة .
وكان وزير الخارجية الراحل مراد غالب قد أسدى لثلاثتنا معروفا لا يُنسى، وهو ما ذكرته في تأبينه في كانون الثاني/يناير 1988 على هذه الصفحة.. خلال فترة عمله وزيرا مقيما في طرابلس. وفور وصوله إلى العاصمة الليبية وجه لثلاثتنا دعوة على الغداء في منزله . وكان قريبا من قصر الشعب.. استقبلنا الوزير الراحل بترحاب ومودة ومستفسرا عن أحوالنا وظروفنا، و لم يطل الانتظار وبادر قائلا : بالقطع تودون معرفة سبب دعوتكم سويا؟. واستطرد : أنا الذي سعيت للتعرف عليكم، بجانب سبب آخر لخصه في أنه أثناء مشاركته في جلسة لمجلس الوزراء كوزير للخارجية سمع أسماءنا تتردد، وعقب السادات عليها بقوله : ' بس العيال دول يقعوا تحت إيدي ' ، واللهجة تحمل وعيدا ورغبة في الانتقام. وهذا أشعره بالقلق، وأردف : أنا أعرف السادات، عندما يقول مثل هذا الكلام فإنه يعنيه، وإذا كان فيكم من يفكر في السفر إلى مصر فليؤجل ذلك الآن !، ولأول مرة نجد وزيرا يضع الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية فوق ما يفرضه عليه واجب وظيفته ومصلحته الخاصة، واستمر هذا السر محفوظا حتى التحاق الوزير الأسبق مراد غالب بالرفيق الأعلى. حينها خرج من الصدور بعد كمون دام أكثر من ثلاثين عاما.


كانت هذه سطور قليلة من سِفْر أبو افتوح الكبير.. يحوي ملحمة لحياة حافلة بالعطاء والنبل. تحوطها هالات الهيبة والوقار، ومثل هذا السِّفْر لا يغلق برحيل صاحبه أو غيابه. صحيح أنه ترك فراغا كبيرا، لكن الصحيح أيضا أن عمق تأثيره على من عايشه واحتك به وعمل معه، يبقى نبراسا يضيء الأنفاق المظلمة، ويكشف معالم الطرق الوعرة في الظلام الحالك. لقد نذر الراحل الكبير حياته ونفسه دفاعا عن حق المواطن في الحياة والعدل والحرية، وحق الوطن في الاستقلال والرفاه والتقدم. لك الرحمة والمغفرة أيها الأخ والمعلم، وحتى نلقاك.



' كاتب من مصر يقيم في لندن  

Comments
أضف جديد بحث
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
 
:D:):(:0:shock::confused:8):lol::x:P:oops::cry:
:evil::twisted::roll::wink::!::?::idea::arrow:
 
Please input the anti-spam code that you can read in the image.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

LAST_UPDATED2
 
VALID CSS   |   VALID XHTML